صديق الحسيني القنوجي البخاري

293

فتح البيان في مقاصد القرآن

وعن ابن مسعود قال كنا نقرأ على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك إن عليّا مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته » وعن الحسن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال إن اللّه بعثني برسالة فضقت بها ذرعا وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني فأنزلت يا أيها الرسول الآية . وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إن اللّه سبحانه وعده بالعصمة من الناس دفعا لما يظن أنه حامل على كتم البيان ، وهو خوف لحوق الضرر من الناس وقد كان ذلك بحمد اللّه فإنه بين لعباد اللّه ما نزل إليهم على وجه التمام ، ثم تحمل من أبى من الدخول في الدين على الدخول فيه طوعا أو كرها ، وقتل صناديد الشرك وفرق جموعهم وبدد شملهم ، وكانت كلمة اللّه هي العليا ، وأسلم كل من نازعه ممن لم يسبق فيه السيف العذل حتى قال يوم الفتح لصناديد قريش وأكابرهم ما تظنون أني فاعل بكم ؟ فقالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء . وهكذا من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه اللّه من الناس إن قام ببيان حجج اللّه وإيضاح براهينه ، وصرخ بين ظهراني من ضاد اللّه وعانده ومن لم يمتثل لشرعه كطوائف المبتدعة وقد رأينا من هذا في أنفسنا وسمعنا منه في غيرنا ما يزيد المؤمن إيمانا وصلابة في دين اللّه وشدة شكيمة في القيام بحجة اللّه ، وكل ما يظنه متزلزلو الأقدام ومضطربو القلوب من نزول الضرر بهم وحصول المحن عليهم ، فهي خيالات مختلة وتوهمات باطلة . فإن كلّ محنة في الظاهر هي منحة في الحقيقة ، لأنها لا تأتي إلا بخير في الأولى والأخرى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق : 37 ] وقصة غورث بن الحرث ثابتة في الصحيح وهي معروفة مشهورة كما تقدم . فإن قلت أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته يوم أحد وقد أوذي بضروب من الأذى ، فكيف يجمع بين ذلك وبين هذه الآية . قلت المراد أنه يعصمه من القتل فلا يقدر عليه أحد ويدل له حديث جابر في الصحيحين وفيه فقال : إن هذا اخترط على سيفي ، إلى قوله ، فقال : من يمنعك مني ؟ فقلت اللّه ، ثلاثا ، وقيل : إن هذه الآية نزلت بعد ما شج رأسه في يوم أحد ، لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحرس حتى نزلت فقال : انصرفوا فقد عصمني اللّه ، رواه الحاكم بطوله . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ جملة متضمنة لتعليل ما سبق من العصمة أي : إن اللّه لا يجعل لهم سبيلا إلى الإضرار لك فلا تخف وبلغ ما أمرت بتبليغه ، وقال ابن عباس : لا يرشد من كذبك وأعرض عنك ، وقال ابن جرير الطبري : المعنى